الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
297
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والنداء في يا وَيْلَتى استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى ، كأنّها تقول : يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك . والويلة : الحادثة الفظيعة والفضيحة . ولعلّها المرة من الويل . وتستعمل في مقام التعجب ، يقال : يا ويلتي . واتّفق القرّاء على قراءة يا وَيْلَتى - بفتحة مشبعة في آخره بألف - . والألف التي في آخر يا وَيْلَتى هنا يجوز كونها عوضا عن ياء المتكلم في النداء . والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلفا عن لام الاستغاثة . وأصله : يا لويلة . وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب ، نحو : يا عجبا ، وباسم شيء متعجب منه ، نحو : يا عشبا . وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة ، قال الزجاج : كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم . والاستفهام في أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ مستعمل في التعجب . وجملة أَنَا عَجُوزٌ في موضع الحال ، وهي مناط التعجب . والبعل : الزوج . وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ في سورة النّور [ 31 ] ، فانظره . وزادت تقرير التعجب بجملة إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال ، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم . وجملة هذا بَعْلِي مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي ، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى . وانتصب شَيْخاً على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة . وقرأ ابن مسعود وهذا بعلي شيخ - برفع شيخ - على أن ( بعلي ) بيان من ( هذا ) و ( شيخ ) خبر المبتدأ . ومعنى القراءتين واحد . وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي : ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم أبو حاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة ، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين :